ابن الجوزي

42

كشف المشكل من حديث الصحيحين

والنظر والتأمل يمنع صحة هذا ، لأنه إذا كان النبي مبعوثا إلى قوم يبلغ من تعدته إلى غيرهم ، لأن صفة التخصص في الإرسال لا تقتضي العموم ، كما لو قال القائل لرسوله : اذهب إلى بني تميم ، فإنه إذا تعدى إلى بني عدي كان مخالفا . فلو كان موسى مخصوصا ببني إسرائيل ثم جاءه غيرهم من الأمم يسألونه عما جاء به لم يجز له كتمانه عنهم ، ولا أن يقول إني غير مبعوث إليكم ، بل كان الواجب عليه إجابة الترك والفرس والعرب وكل من سأله عن الأحكام التي جاء بها بما بعث به إلى بني إسرائيل ، بل كان لا يجوز له أن يجيب أحدا من هؤلاء إذا كان مبعوثا إلى بني إسرائيل خاصة . قال السائل : وأيضا إذا قال له : مر بني إسرائيل بالصلاة ، ومن زنى من بني إسرائيل فعاقبه على زناه ، لم يجز أن يعاقب غيرهم على الزنا ، وهذا كالحكم إذا علق على غاية لا يتعدى إلى غيرها . فإن قلنا : إنه منع من إرشاد من جاء إليه للاسترشاد من أنواع الخلق لم يجز ذلك ، وإذا بطل هذان القسمان ثبت أن كل رسول إنما بعث إلى جميع الخلق . وليس لقائل أن يقول : أنه أرسل إلى بني إسرائيل خاصة ، والناس بالخيار بين اتباعه وتركه . قال السائل : وطريقة أخرى : وهو أن الله تعالى رفع العذاب عن الخلق مع عدم الرسل بقوله : * ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) * [ الإسراء : 15 ] وأثبت الحجة على الخلق ببعثه الرسل . وقد ثبت أن الله تعالى أهلك جميع أهل الأرض بالطوفان ، وما ذلك إلا لمخالفة نوح ، فلو لم يكن مرسلا إلى جماعتهم لما أهلكهم بمخالفته ودعا عليهم . وليس لقائل أن يقول : فقد قال في حق نوح : * ( إنا أرسلنا نوحا إلى قومه ) * [ نوح : 1 ] * ( وإلى مدين أخاهم شعيبا ) * [ الأعراف : 85 ] فقد خصص مثل ذلك نبينا بقوله : * ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم ) * [ التوبة : 128 ] فامتن على قريش بذلك .